الراغب الأصفهاني

222

الذريعة إلى مكارم الشريعة

في أنواع الجهل الإنسان في الجهل على أربعة منازل : الأول : من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا ، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم ، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش ، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر ، ويقال له باعتبار العلم النظري غفل ، وباعتبار العلم العملي غمر ، ويقال له : سليم الصدر . والثاني : معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ، ولم يترب به ، واستنزاله عنه سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة ، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف ويقال له : غاو وضال . والثالث : معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه « 1 » ، وتراءت له صحته فركن إليه لجهله وضعف نحيزته « 2 » ، فهو ممن وصفه اللّه تعالى بقوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ « 3 » فهذا ذو داء أعيا الأطباء فما كل داء له دواء « 4 » ، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه ، كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا ما تصنع ؟ فقال ؛ أغسل مسحا لعله يبيض . والرابع : معتقدا اعتقادا فاسدا عرف فساده ، أو تمكن من معرفته ، لكنه اكتسب دنية لرأسه ، وكرسيا لرئاسته ، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به الحق ، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق ، ويقال له فاسق ومنافق ، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى :

--> ( 1 ) « قدران على قلبه » سقطت من ط . ( 2 ) نحيزته أي طبيعته . ( 3 ) الأنفال / 22 . ( 4 ) « فهذا ذو داء أعيا الأطباء ، فما كل داء له دواء » سقطت من ط .